يُطرح هذا السؤال بشكل متزايد في زمننا الحالي، لأننا اعتدنا أكثر على مواجهة أشخاص يعيشون تحت ضغط دائم، ولا يظهر عليهم الابتسام إلا في مناسبات نادرة.
يبدو أن مجتمعنا قد قبل فكرة أن التوتر هو قاعدة طبيعية لا مفر منها، وأنه قدر محتوم يرافق الحياة اليومية لكل إنسان على وجه الأرض. وبما أنه أصبح “طبيعياً”، فلا يُبذل أي جهد حقيقي لتغيير هذا الواقع أو السعي نحو تحقيق السعادة.
ومع ذلك، هناك بيننا من يبدو وكأنه “غريب” عن هذا الواقع، يظهر عليه إشراق الفرح في كل وقت، دون سبب واضح. دائم الابتسام وسعيد فقط لكونه موجوداً، وكأن مشاكل الحياة لا تؤثر فيه.
وقد يميل البعض إلى الاعتقاد أن هؤلاء الأشخاص المفعمين بالإيجابية إنما يتظاهرون فقط، بهدف القبول الاجتماعي أو نيل إعجاب الآخرين، وكأنهم في الحقيقة مثلنا: متوترون، حساسون، وضعفاء، لكنهم يخفون ذلك خلف قناع من السعادة لا يظهر إلا للعالم الخارجي.
لكن حقيقة الأشخاص الإيجابيين باستمرار مختلفة، وهي بسيطة وقابلة للتحقيق.
الحقيقة أن السعادة أولاً اختيار ثم أسلوب حياة.
فمثل العديد من الأشياء في الحياة، تبدأ “السكينة النفسية” بوعي، ثم قرار بالتغيير، ثم أفعال متكررة تُصبح مع الوقت عادات، حتى يصبح هذا السلوك الجديد طبيعياً وتلقائياً. هذه المراحل الثلاث، إذا طُبقت بصدق، تُنتج “نسخة جديدة” منا أكثر سعادة بشكل تلقائي.
ولكي نصل إلى هذه الحالة من الطاقة الإيجابية، يجب أولاً أن ندرك أن رفاهيتنا هي نتيجة لأفعالنا نحن. وكما تقول القاعدة الثالثة لنيوتن: “لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه”. نحن إذن نساهم يومياً في تشكيل حياتنا. ومن هذا المبدأ، نستنتج ببساطة أنه لكي نتلقى الفرح يجب أن نمنحه للآخرين.
وللتجربة، يكفي أن نقضي يوماً كاملاً نبتسم فيه ونتعامل بلطف مع الجميع، حتى لو اضطررنا للتكلف في البداية. ستكون النتيجة واضحة، لأن القليل فقط يمكنه أن يتعامل بخشونة مع شخص يبدو ودوداً وبسيطاً. اللطف يخفف التوتر ويُظهر أفضل ما في الآخرين. ومع تكرار هذا السلوك، تتحسن جودة حياتنا وصحتنا وإنتاجيتنا بشكل ملحوظ.
إذن، الأشخاص “المشحونون إيجابياً” اختاروا أولاً سلوكاً إنسانياً ولطيفاً مع الآخرين، مما يساعدهم على تجنب الكثير من المشاكل والتعامل مع ضغوط الحياة بشكل أفضل.
ومن المهم أيضاً أن نلاحظ أن سعادتهم ليست نتيجة إنجاز كبير واحد، بل هي حصيلة تجارب صغيرة ومتكررة.
فالوصول إلى هدف معين، سواء الزواج أو الحصول على شهادة أو غير ذلك، ليس نهاية السعادة، بل بداية مرحلة جديدة. هؤلاء الأشخاص فهموا أن السعادة المستمرة تأتي من تقدير الخطوات الصغيرة التي تقود نحو الأهداف.
كما أننا ننسى كثيراً أن ما نعيشه هو اللحظة الحالية فقط. الماضي غير موجود، والمستقبل غير مضمون، وما نملكه حقاً هو “الآن”. لذلك لا يجب أن نُهدر هذا اللحظة، لأن صحتنا ورفاهيتنا أهم من أي شيء آخر.
ومن خلال هذا الوعي، ندرك أن كل لحظة هي بذرة لما سنحصده لاحقاً. وبالتالي علينا أن نصنع سعادتنا في كل لحظة، وأن نعطي للحياة دون حساب.
ومن بين أهم عناصر السعادة أيضاً: عدم أخذ الحياة بجدية مفرطة.
فعندما نتعلم التخفيف من حدّة الأمور، ندرك كم كنا نبالغ في أهمية أشياء صغيرة مثل السيارات أو الممتلكات أو الخلافات. وفي نهاية الحياة، ندرك أن الكثير مما كنا نعتبره مهماً لم يكن كذلك فعلاً.
الخلاصة بسيطة: لنكن مثل هؤلاء “الاستثنائيين” ذوي الابتسامة الدائمة، ولنزرع بذور السعادة رغم صعوبات الحياة. وسنكون أول المستفيدين، وقد نصبح بدورنا مصدر طاقة إيجابية للآخرين.
