لقد صُدمتُ من برنامج يتحدث عن ما يُسمّى بالمرشدين الروحيين الذين يحققون انتشارًا واسعًا وثروات كبيرة في أوروبا، فقررت مشاركة هذه الأفكار التي قد تزعج البعض وتُعجب آخرين.
هذا السيناريو نفسه موجود أيضًا عندنا اليوم. فعدد متزايد من الأشخاص الذين يعانون ببساطة من كونهم بشرًا، بما يحمله ذلك من حزن وألم وشعور بالظلم أو غيره، يتجهون نحو ما يُسمّى بالمدربين أو المرشدين الروحيين، الذين يعدونهم بالسعادة والتوازن الذي يدّعون امتلاك مفاتيحه وأسراره.
في معظم الحالات، بدلًا من مواجهة الشخص المتألم بالحقيقة، وهي أننا نعيش في عالم قاسٍ حيث الألم جزء من الواقع لكنه قابل للتعامل معه، يتم توجيهه نحو معتقدات غامضة وغير ملموسة لا يستطيع أحد تفسيرها.
تحت هذا المفهوم الفضفاض لما يُسمّى بـ“الروحانية الجديدة”، يتم بيع كل شيء تقريبًا. يتم خلط الروحاني بالديني والعلمي دون تقديم أي دليل حقيقي على ما يُقال. كلمة “الكمّ” أو “الكمومي” تُستعمل بشكل عشوائي من طرف مدربين أو معالجين لم يدرسوا إطلاقًا الفيزياء الذرية أو النووية أو غيرها. ولنتذكر أن روّاد ميكانيكا الكم (بلانك، بور، فاينمان وغيرهم) كانوا يؤكدون أن من يظن أنه فهم هذه العلوم، فهو في الحقيقة لم يفهم شيئًا بعد. فكلما تعمقنا فيها، أدركنا مدى تعقيدها وأن الفهم الكامل لها ليس قريب المنال.
هؤلاء المدربون والمرشدون الروحيون الدجّالون لا يترددون في تبسيط هذه العلوم بشكل مفرط ليقولوا: “أنتم مكوَّنون من ذبذبات وترددات تربطكم بالكون…” إلى آخر هذه العبارات، أو أن كل شيء موجود في القرآن بطريقة لا يفهمها إلا هم وأمثالهم.
يجب ألا نكون ساذجين إلى هذا الحد، ولا أن ننجرف وراء من يتحدثون دون تقديم أي دليل. فالقرآن ليس كتابًا علميًا، بل كتاب ديني. لا يحتوي على رياضيات أو فيزياء أو كوزمولوجيا، ولا يتحدث عن الإلكترونات أو المادة المضادة أو الكربون أو ثاني أكسيد الكربون. ودوره ليس هذا المجال.
علينا ألا نُقاد وراء كلمات جميلة لا تعالج أصل الألم الذي نعاني منه. فمن لديه مشاكل يجب أن يبحث عن جذورها الحقيقية ويواجهها ليتم علاجها.
التغيير الحقيقي لما يؤلمنا يتطلب وعيًا بأن العامل الأساسي في السعادة أو النجاح هو الإنسان نفسه. لكي أكون أكثر سعادة، يجب أن أغيّر سلوكي وروتيني. ولكي أحسّن جودة حياتي، يجب أن أتعلم وأبحث وأدرس من مصادر متعددة لأفهم بشكل أفضل مكوّنات “أنا”. وكما قال أينشتاين: “تعريف الجنون هو أن تفعل نفس الشيء يومًا بعد يوم وتتوقع نتيجة مختلفة”. لا يمكننا أن نتحسن دون قبول التغيير.
في النهاية، أود التوضيح أن العلم لا يجيب عن كل شيء، لكنه أثبت فعاليته بشكل كبير: من الهاتف إلى التصوير الطبي (IRM) والطائرات، كل ذلك مبني على التجربة والواقع. وعندما يمرض طفل حتى أكثر “المرشدين الروحيين” إيمانًا، فإنه لا يذهب إلى أحد زملائه، بل إلى الطبيب.
تأملوا…

