قد يتساءل البعض: ولماذا لا؟ إجابتي المختصرة هي: الأولى تهدف إلى الملموس، والثانية إلى المجرد.
في الأولى، “أنا” المسؤول بالكامل عن نجاحي أو فشلي، أما في الثانية فكل شيء يُنسب إلى قوى تتجاوز فهمنا وسيطرتنا.
فهل يمكن حقًا التوفيق بين هذين المسارين والعيش بهما في آن واحد؟
هذا هو الصراع الذي أراه اليوم يتجلى في مختلف أنحاء العالم، وبشكل متزايد في المغرب.
لقد استغل بعض الأذكياء هذا الالتباس وهذا التناقض ليقدموا حلًا مربحًا جدًا يتمثل في ما يُسمى بالروحانية الحديثة (النيو-سبيريتشوال)، حيث كل شيء مباح لأنه لا يتطلب أي دليل. فإذا استمعت لبعض “المرشدين الروحيين” الذين أصبحوا أثرياء ومشهورين، ستجد خليطًا من المصطلحات غير المنسجمة: من الإلهيات إلى قانون الجذب، مرورًا بالطاقة، والكون، والذبذبات، والقرآن، والأولياء، والفيزياء الكمية، وغيرها من المفاهيم الغامضة.
جاذبية هؤلاء “المرشدين الجدد” تكمن في أن التابع لا يحتاج لبذل جهد أو خوض معركة؛ يكفي فقط أن يؤمن (ويدفع). ويُوعد بأن الكون وطاقاته الإيجابية ستخدمه بمجرد انفتاحه على “أسرار” لا يعرفها سوى هذا المرشد وقلة من أتباعه، بعيدًا عن العلم وبقية البشرية.
في الحقيقة، يعيش أغلب الناس وفق معتقدات مختلفة لأن الحقيقة غالبًا قاسية. فالكذبة الجميلة أحيانًا تكون مفضلة على الحقيقة المرة، خاصة وأن المعتقد يمنح أيضًا شعورًا بالانتماء؛ فمن المريح أن نكون بين أشخاص يشاركوننا نفس القناعات ويؤمنون بأن كل شيء سيكون بخير دون مجهود.
لكن الواقع مختلف: تطوير الذات أو بناء مشروع يتطلب عملًا جادًا ومستمرًا. لم يسبق لأي معتقد أن جعل طائرة تقلع أو أن يطوّر مسارًا مهنيًا. فالعقل مثل العضلة، يحتاج إلى تغذية بالمعرفة ثم إلى تدريب مستمر. ومع الوقت، ينمو ويكتسب القدرة على مواجهة تحديات الحياة الحقيقية.
للروحانية مكانها في توازن الإنسان، لكن يجب الحذر من أولئك الذين يستغلون ضعفنا البشري بادعاء امتلاك “الحل السحري”. وكما يقول الأمريكيون: إذا كان الشيء يبدو جميلًا لدرجة يصعب تصديقها، فهو على الأرجح غير حقيقي.
كريم قديري

